رئيس تحرير عقيدتي في دار الجمهورية للصحافة عضو المجلس الاعلي للشئون الاسلامية بالقاهرة درس اللغة العربية في جامعة الازهر
يقف غداً أكثر من مليوني حاج علي صعيد عرفات في مشهد عظيم حاملين معهم نفحات هذا المشهد العظيم وتلك المشاعر الروحانية التي لا تشبهها أي مناسبة أخرى في حياة المسلمين. فهويوم التاسع من شهر ذي الحجة، وأحد أعظم أيام الدنيا عند الله تعالى، حيث تتنزل فيه الرحمات، وتُغفر الذنوب، وتُعتق الرقاب من النار، ويقف فيه الملايين في مشهد إيماني مهيب تتجلى فيه معاني الوحدة والمساواة والخضوع لله سبحانه وتعالى.
ويُعد الوقوف بعرفة الركن الأعظم من أركان الحج، حتى قال النبي ﷺ: "الحج عرفة"، في إشارة إلى عظمة هذا اليوم ومكانته الكبيرة في الإسلام. فمن فاته الوقوف بعرفة فاته الحج، مهما أدى من مناسك أخرى.
وفي يوم عرفة تتجه أنظار المسلمين في أنحاء العالم إلى جبل عرفات وسهله الواسع، حيث يجتمع الحجيج من مختلف دول العالم، يحملون ألواناً وأعراقاً ولغات وثقافات متعددة، لكنهم يقفون جميعاً بملابس الإحرام البيضاء نفسها، مرددين بصوت واحد: "لبيك اللهم لبيك"، وكأن البشرية كلها تذوب في لحظة إيمانية واحدة أمام عظمة الخالق.
إن هذا المشهد العظيم يرسخ معنى المساواة الحقيقية بين البشر، فلا فرق بين غني وفقير، ولا بين حاكم ومحكوم، ولا بين عربي وأعجمي إلا بالتقوى والعمل الصالح. الجميع يقفون على أرض واحدة، ويرجون رحمة إله واحد، في صورة من أروع صور الوحدة الإنسانية التي يقدمها الإسلام للعالم.
ويتميز يوم عرفة بفضائل عظيمة وردت في القرآن الكريم والسنة النبوية. فقد أقسم الله تعالى بهذا اليوم في كتابه العزيز لعظيم مكانته، كما قال سبحانه: "وشاهدٍ ومشهود"، وفسر كثير من العلماء "المشهود" بأنه يوم عرفة. وفيه نزل قول الله تعالى: "اليوم أكملت لكم دينكم وأتممت عليكم نعمتي ورضيت لكم الإسلام ديناً"، وهو ما يوضح عظمة هذا اليوم المبارك في تاريخ الأمة الإسلامية.
ومن أعظم فضائل يوم عرفة أنه يوم مغفرة ورحمة وعتق من النار، فقد قال رسول الله ﷺ: "ما من يوم أكثر من أن يعتق الله فيه عبداً من النار من يوم عرفة". ولذلك يحرص المسلمون على الإكثار من الدعاء والاستغفار والذكر والتوبة في هذا اليوم الكريم، طمعاً في رحمة الله ومغفرته.
كما يُستحب لغير الحجاج صيام يوم عرفة، لما له من فضل كبير، حيث قال النبي ﷺ إن صيامه "يكفر السنة الماضية والسنة القادمة". ولذلك يستقبل المسلمون هذا اليوم بالصيام والطاعة والابتهال إلى الله، راجين القبول والرحمة.
وعلى صعيد عرفات، يعيش الحجاج ساعات من الخشوع والدعاء والبكاء والتضرع، مستشعرين قربهم من الله سبحانه وتعالى. وترتفع الأكف بالدعوات من كل لغات العالم، لكن القلوب تتحدث بلغة واحدة هي لغة الإيمان والخضوع والرجاء.
ولا يقتصر تأثير يوم عرفة على الجانب الديني فقط، بل يحمل أيضاً رسائل إنسانية عظيمة. فهو يذكر الإنسان بحقيقة الدنيا وزوال الفوارق الزائفة بين الناس، ويعيد إلى النفوس معاني التسامح والمحبة والتقرب إلى الله بالأعمال الصالحة.
كما يعكس نجاح تنظيم الحج سنوياً الجهود الضخمة المبذولة التي تقوم بها المملكة العربية السعودية لخدمة ضيوف الرحمن، وتوفير سبل الراحة والأمان لهم، حتى يؤدوا مناسكهم في أجواء من الطمأنينة والسكينة.
وفي ظل ما يشهده العالم من صراعات وانقسامات، يبقى مشهد عرفات رسالة سلام ووحدة للبشرية كلها، يؤكد أن الناس مهما اختلفت أوطانهم وألوانهم يمكن أن يجتمعوا على قيم الإيمان والمحبة والرحمة.
إن يوم عرفة ليس مجرد يوم في التقويم الإسلامي، بل هو مدرسة إيمانية وروحية وإنسانية متكاملة، تتجدد فيها معاني التوبة والطاعة والمساواة. وهو فرصة عظيمة لكل مسلم كي يراجع نفسه، ويقترب من ربه، ويبدأ صفحة جديدة مليئة بالأمل والإيمان.
ويبقى مشهد مليوني حاج على صعيد عرفات واحداً من أعظم المشاهد الإنسانية على وجه الأرض، حيث تمتزج الدموع بالدعوات، وترتفع القلوب إلى السماء أملاً في المغفرة والرضا والرحمة، في يوم جعله الله موسماً للطهر والسكينة والنجاة.